ابن حجة الحموي

111

خزانة الأدب وغاية الأرب

ابن أبي الأصبع هذا البيت إن نظر فيه إلى قول أبي الطيب المتنبي تمسي الأماني صرعى دون مبلغه * فما يقول لشيء ليت ذلك لي فبيت ابن نباتة أفضل من بيت المتنبي لأنه أحسن الأدب مع ممدوحه إذ لم يجعله في حيز من يتمنى شيئا وجعل في قدرته وجوده ما يبلغ مادحه كل أمنية فلم يبق له أمل وإن كان في بيت المتنبي زيادة من جهة المبالغة في قوله دون مبلغه واستعارة في اللفظ بقوله تمسي الأماني صرعى ففي بيت ابن نباتة أن كل ما جعله المتنبي لممدوحه جعله ابن نباتة لمادحه مع زيادة المبالغة في المدح بكونه أخرجه مخرج المثل السائر كما بينا فهو أشهر وأسير وأبقى وإذا تأمل الناظر في البيتين وجد معنى بيت المتنبي بكماله في صدر بيت ابن نباتة لأن حاصل بيت المتنبي أن الممدوح قدر على كل الأماني وهذا قد استقل به صدر بيت ابن نباتة والعجز ملزوم صدره لأن من نال كل أمل صحب الدنيا بلا أمل غير أن ابن نباتة لكونه أخرج العجز مخرج المثل صار كأنه استأنف معنى آخر مستقلا بجميع معنى بيت المتنبي مع كونه زاد بأن جعل للمادح ما جعله المتنبي للممدوح وهذا غاية في حسن الأدب وقد ترجح بيت ابن نباتة على بيت المتنبي من وجوه انتهى كلام ابن أبي الأصبع في النقد الحسن الذي قرره على بيت أبي الطيب وبيت ابن نباتة وقد يختلط على بعض الناس هذه الأبواب الأربعة وهي باب الإيغال والتذييل والتمكين والتكميل والفرق ظاهر فإن الإيغال لا يكون إلا في الكلمة التي فيها الروي وما يتعلق به وهو أيضا مما يأتي بعد تمام المعنى كالتكميل والتذييل وأما التمكين فليس له مدخل في هذه الأبواب لأنه عبارة عن استقرار القافية في مكانها لأنها لا تزيد معنى البيت بل إذا حذفت نقص معنى البيت لأنها ممكنة في قواعده وأما التكميل فإنه وإن أتى بعد تمام المعنى فهو يفارق الإيغال والتذييل من وجهين أحدهما كونه يأتي في الحشور والمقاطع والإيغال والتذييل لا يكونان إلا في المقاطع دون الحشو والإيغال والتذييل لا يخرجان عن معنى الكلام المتقدم والتكميل لا بد أن يأتي بمعنى يكمل الغرض على التكملة المتقدمة إما تكميلا بديعيا أو تكميلا عروضيا والتذييل يفارق الإيغال لكونه يزيد على الكلمة التي تسمى إيغالا ويستوعب غالبا عجز البيت وبيت صفي الدين في التذييل لله لذة عيش بالحبيب مضت * فلم تدم لي وغير الله لم يدم والعميان ما نظموا هذا النوع في بديعيتهم وبيت عز الدين الموصلي تذييل عيشي ورزقي قسمة حصلت * في أول الخلق والأرزاق بالقسم وبيت بديعيتي والله ما طال تذييل اللقاء بهم * يا عاذلي وكفى بالله في القسم فقولي وكفى بالله في القسم هي الجملة التي جاءت بعد تمام الكلام وحسن السكوت عليه واشتملت على معناه وزادته في القسم تحقيقا وتوكيدا وجرت مجرى المثل الذي ما يجارى في شرفه وكماله وأما لفظة التذييل التي هي تسمية لهذا النوع المقصود ففات الشيخ عز الدين فيها لفظة طال فإنني لو لم أذكر الطول ما ترشحت تورية التذييل ولا وقع لها في القلوب مواقع فإن الطول من لوازم الأذيال وطويل ذيل اللقاء في البيت من ألطف الاستعارات وقولي يا عاذلي هو التكميل الذي يأتي في الحشو وقد تقدم الكلام عليه وتقرر ذكر التفويف خشن ألن أحزن أفرح امنع اعط أنل * فوف أجدوش رقق شد حب لم التفويف تأملته فوجدته نوعا لم يفد غير إرشاد ناظمه إلى طرق العقادة والشاعر إذا كان معنويا وتجشم مشاقه تقصر يده عن التطاول إلى اختراع معنى من المعاني الغريبة وتجفوه حسان الألفاظ ولم يعطف عليه برقة وتأنف كل قرينة صالحة أن تسكن له بيتا ولكن شروع المعارصة ملزم به ولم يسعني غير تشريع الطباق في بيته وهو في اللغة مشتق من الثوب المفوف الذي فيه خطوط بيض